ابن ميثم البحراني

195

شرح نهج البلاغة

أنّكم إذا أردتم التبريّ من أحد من أهل الكباير فقفوه : أي اجعلوه موقوفا إلى حال الموت ولا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت فإنّ أشدّ الكبائر وأعظمها الكفر وجايز من الكافر أن يسلم فإذا بلغ منتهى الحياة وحدّها ولم يقلع عن كبيرته فذلك الحدّ هو حدّ البراءة الَّذي يجوز أن يوقعوها معه . إذ ليس بعد الموت حالة ترجى وتنتظر . قال بعض الشارحين : والبراءة الَّتي أشار عليه السّلام إليها هي البراءة المطلقة لا كلّ براءة ، إذ يجوز لنا أن نبرأ من الفاسق وصاحب الكبيرة في حياته براءة مشروطة : أي ما دام مصرّا على كبيرته . الثالثة : قوله : والهجرة قائمة على حدّها الأوّل : لمّا كانت حقيقة الهجرة ترك منزل إلى منزل آخر لم تكن تخصيصها عرفا بهجرة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومن تبعه وهاجر إليه من مكَّة إلى المدينة مخرجا لها عن حقيقتها وحدّها اللغويّ . إذ كان أيضا كلّ من ترك منزله إلى منزل آخر مهاجرا إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ مراده عليه السّلام من بقاء الهجرة على حدّها بقاء صدقها على من هاجر إليه وإلى الأئمّة من أهل بيته في طلب دين اللَّه وتعرّف كيفيّة السلوك لصراطه المستقيم كصدقها على من هاجر إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وفي معناها ترك الباطل إلى الحقّ وبيان هذا الحكم بالمنقول والمعقول : أمّا المنقول فمن وجهين : أحدهما : قوله تعالى « ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ الله يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وسَعَةً » فقد سمّى من فارق وطنه وعشيرته في طلب دين اللَّه وطاعته مهاجرا . وقد علمت في أصول الفقه أنّ من للعموم فوجب أن يكون كلّ من سافر لطلب دين اللَّه من معادنه مهاجرا . الثاني : قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : المهاجر من هاجر ما حرّم اللَّه عليه . وظاهر أنّ من هاجر معصية الأئمّة إلى طاعتهم والاقتداء بهم فقد هاجر ما حرّم اللَّه عليه فكان اسم الهجرة صادقا عليه . وأمّا المعقول فلأنّ المفارق لوطنه إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مهاجر فوجب أن يكون المفارق لوطنه إلى من يقوم مقامه من ذريّته الطاهرين مهاجرا